علي حافة القلب بقلم/مؤمن الهواري

 

على حافة القلب 

الجزء الثاني: الاسم الذي فتح بابا آخر

 بقلم/مؤمن الهواري 


ظل فارس ينظر إلى الكلمة الوحيدة التي أرسلتها له مريم: حورية. 

لم يكن الاسم غريبًا، لكنه جاء في لحظة غريبة. كان واقفا في نوبة الحراسة، والليل من حوله ساكن إلا من صوت السيارات البعيدة، بينما هاتفه يضيء في يده كأنه يحمل سرًا لا يريد أن يقترب منه. 

كتب لمريم: 

- حورية مين؟ 

جاء ردها بعد لحظات:

 - واحدة أعرفها، وكاتبة حاجات جميلة جدا. ادخل صفحتها واقرأ بنفسك، بس ما تتسرعش في الحكم عليها.

 ابتسم فارس بسخرية خفيفة.

 - هو أنا داخل أتجوزها ولا إيه؟ 

- ادخل بس يا فارس. 


 كان يستطيع أن يغلق الهاتف وينهي الأمر، لكنه ضغط على الاسم. 

 ظهرت أمامه صفحة بسيطة، لا صور كثيرة فيها، ولا عبارات مبالغ فيها. كانت هناك منشورات قصيرة، بعضها يشبه الخواطر، وبعضها مقاطع شعرية، وبينها منشورات مضحكة كتبتها حورية بطريقة جعلت فارس يبتسم رغما عنه.

 قرأ منشورا يقول: 

 "أنا مش بتأخر في الرد، أنا بسيب الكلام يستوي على نار هادئة." 

ضحك فارس للمرة الأولى منذ أيام.

 ثم قرأ منشورا آخر: 

 "أصعب حاجة في الرجيم إنك تفتح الثلاجة تلاقي الأكل كله واقف مستنيك، كأنه عارف إنك ضعيف." 

هز رأسه، وقال لنفسه:

 - دي دمها خفيف. 


 ظل يتنقل بين المنشورات. لم تكن كلها مضحكة، فبعضها كان يحمل حزنا مكتوما، وكأن صاحبة الصفحة تكتب ما لا تستطيع قوله لأحد. كانت تعرف كيف تهرب من الواقع بالكلمات؛ مرة إلى الضحك، ومرة إلى الشعر، ومرة إلى حكاية لا يعرف القارئ إن كانت خيالا أم جزءا من حياتها. 


 وفي أثناء قراءته، شعر فارس بإحساس يعرفه جيدا. 

 إحساس الكاتب الذي يفتح نافذة صغيرة في جدار يومه الطويل، فيرى منها عالما آخر. عالما لا توجد فيه بوابات حراسة، ولا فواتير متراكمة، ولا محاضرات فائتة، ولا أم تنتظر منه قرارا لا يعرف إن كان قراره حقا.  

كان يهرب من واقعه إلى منشورات فتاة لا يعرفها. 

 ولم يكن يعلم أن تلك الفتاة، في ذلك الوقت، كانت تعيش يومها بعيدا عنه تماما. 

 في بيت متواضع بإحدى قرى الصعيد، كانت حورية تجلس أمام طبلية خشبية صغيرة، وقد فرشت فوقها ورقة بيضاء، ووضعت بجوارها كراسة قديمة مليئة بالكتابات. 


 كان عمرها في ذلك الوقت اثني عشر عاما، وكان فارس في الثانية والعشرين؛ عشرة أعوام كاملة تفصل بينهما، وإن لم يكن أي منهما يعرف بوجود الآخر. 


 كانت حورية تمسك قلما أزرق، وتكتب بتركيز شديد. كلما توقفت، رفعت عينيها إلى السقف، كأنها تبحث عن كلمة هاربة، ثم عادت إلى الورقة. 


 كتبت: - "أحيانا لا نحتاج إلى طريق جديد، نحتاج فقط إلى شجاعة تجعلنا نكمل الطريق القديم." 


تأملت الجملة طويلا، ثم وضعت نقطة في نهايتها، وكأنها أغلقت بابًا كاملا داخل قلبها. 


 كانت تحب الشعر والروايات بكل ما فيها من حب وخوف وغموض. كانت تقرأ الحكايات في ضوء ضعيف، وتخبئ بعض الكتب تحت ملابسها حتى لا تسمع ملاحظات إخوتها عن تضييع الوقت.

 لكنها لم تكن تكتب من أجل الشهرة. كانت تكتب لأنها حين تمسك القلم تشعر أنها أقوى من ارتباكها، وأهدأ من خوفها، وأقرب إلى نفسها. 


تحت الطبلية، كانت هناك حقيبة مدرسية قديمة. أخرجت منها مجموعة من شهادات التقدير التي حصلت عليها في المدرسة، ورتبتها أمامها واحدة تلو الأخرى. 

 شهادة للتفوق. 

وأخرى للمشاركة في الإذاعة المدرسية.

 وثالثة عن مسابقة الشعر.  


لمست حواف الأوراق بحنان. كانت تلك الشهادات تعني لها الكثير؛ لم تكن مجرد أوراق معلقة على جدار، بل دليلا على أن أحدا رأى شيئا جميلا فيها، في وقت كانت هي نفسها لا تعرف كيف تراه. 


 ابتسمت للحظة، ثم ترقرقت دمعة في عينها وسقطت فوق الورقة التي كانت تكتب عليها. 


 توقفت حورية، ومسحت الدمعة بطرف إصبعها، ثم نظرت إلى الحبر الذي اختلط بالماء. 

قبل أن تفهم سبب حزنها، جاءها صوت أمها من الداخل: 

- حورية! يا بنتي، سيبي اللي في إيدك وتعالي رتبي البيت. وحضري طبلية الغدا قبل ما إخواتك يرجعوا. 

- أغلقت حورية كراستها بسرعة، ووضعت شهادات التقدير داخل الحقيبة. 

- حاضر يا أمي. 

- كل مرة أقول لك حاضر وتفضلي قاعدة. القلم ده هيأكلك عيش؟ 

نظرت حورية إلى القلم، ثم أخفته بين صفحات الكراسة.

 - يمكن يا أمي. 

سمعتها أمها، فقالت بنبرة لم تعرف إن كانت غاضبة أم مبتسمة: 

- تعالي بس يا شاعرة البيت، وبعدين ابقي كلي القلم لو عايزة. 


ضحكت حورية، وخرجت تحمل الأطباق، بينما بقيت الجملة على الورقة تنتظر أن تكملها.

 مرت سنوات قبل أن يفهم فارس لماذا ظلت صفحة حورية عالقة في ذهنه. 


 في البداية كان يدخل إليها كلما سنحت له الفرصة. يقرأ منشورا أو اثنين، ثم يعود إلى عمله. وبعد فترة صار ينتظر ما ستكتبه، دون أن يعترف لنفسه بذلك. 


 لم يكن بينهما كلام مباشر. لم يرسل لها رسالة، ولم تلتفت هي إلى أن شخصا اسمه فارس يمر على منشوراتها من بعيد. 

 كان الأمر كله يحدث داخل رأسه. 

 منشور يضحكه في نهاية يوم ثقيل. 

 خاطرة تجعله يشعر أن أحدا عبر عن شيء يعجز هو عن قوله. 

 وقصة قصيرة تذكره بأنه ليس الوحيد الذي يشعر بالغربة وسط الناس. 


وفي الجهة الأخرى، كانت حياته تسير في اتجاه مختلف تماما. 

 انتقل إلى الإسكندرية مع سلوى بعد أن بدأت ترتيبات الزواج. لم تكن الإسكندرية بالنسبة إليه مدينة للراحة، بل مدينة للركض. كان يطوف مع خطيبته على القاعات، ثم يعود ليتابع ما تبقى من تجهيز الشقة، ويذهب إلى عمله، ويحاول ألا يتأخر عن دراسته. 

في أحد المقاهي القريبة من البحر، جلس فارس أمام سلوى بعد يوم طويل من البحث عن قاعة مناسبة. 

 كانت سلوى تتحدث بحماس عن تفاصيل كثيرة: 

 - أنا شايفة إن لون الحائط يكون رمادي فاتح، والستارة أوف وايت. والصالون لازم يبقى بسيط، مش عايزة حاجات كتير. وبالنسبة للأوضة، ممكن نعمل إضاءة صفراء هادية.  


كان فارس ينظر إلى فنجان القهوة أمامه.


 - فارس، أنت سامعني؟

 - سامعك. 

- طب إيه رأيك؟

 رفع عينيه وقال: 

- اللي تشوفيه. 


 سكتت سلوى لحظة، ثم عادت إلى حديثها، لكنها لم تكن مرتاحة. كانت تشعر أن فارس حاضر بجسده فقط، أما عقله فبعيد في مكان لا تصل إليه. 

 سألته: 

- أنت ندمان؟

 رفع رأسه بسرعة.

 - ندمان على إيه؟

 - على الجواز. ظل صامتا، ثم قال:

 - لا، بس تعبان. 


لم يكن كاذبا تماما، لكنه لم يقل الحقيقة كلها. كان متعبا من كل شيء، ومن نفسه أيضا. لقد دخل هذا الزواج تلبية لرغبة أمه، ثم أقنع نفسه أن المشاعر يمكن أن تأتي بعد ذلك. لكن شيئا في داخله ظل واقفا على مسافة، يراقب ولا يشارك.

 تزوج فارس وسلوى.  

كان يوما مزدحما بالزغاريد والتهاني والوجوه السعيدة. بكت أمه من الفرح، واحتضنته سناء، وظلت ريهام تدعو له بالراحة، بينما كانت مريم تراقب ابتسامته الهادئة التي لم تصل إلى عينيه. 


 بعد الزواج، بدأ الجميع ينتظر خبر الحمل. في البداية كان السؤال يأتي على استحياء:

 - لسه بدري، ربنا يرزقكم. ثم صار السؤال مباشرا. 

- أخباركم إيه؟ 

- هو مفيش حاجة مفرحة؟ 

- روحوا اكشفوا، يمكن في سبب بسيط. 


 لم يكن فارس يحب هذه الأحاديث، لكنه كان يرد بالصمت. أما سلوى فكانت تتألم مع كل سؤال، حتى لو ابتسمت أمام الناس.  


مرت الشهور، ولم يحدث شيء. 

 بدأت الزيارات إلى الأطباء. تحاليل، مواعيد، أدوية، وانتظار طويل في ممرات باردة. كان فارس يرافق سلوى أحيانا، ويبقى أحيانا أخرى منشغلا بالعمل، لكن الموضوع لم يشعل داخله خوفا حقيقيا كما أشعل الخوف في قلبها. 


 ثم عرفا أن تأخر الإنجاب مرتبط بحالة سلوى الصحية ومرض السكري، وأن الأمر يحتاج إلى متابعة وعلاج وتنظيم دقيق. 


خرجت سلوى من عيادة الطبيب وهي صامتة. أما فارس فسار بجوارها، ثم قال: 

- الدكتور قال إن الموضوع له علاج. 

- بس أنت زعلان. 

- أنا؟

 - أيوه، حتى لو مش بتتكلم. 


توقف فارس أمام البحر. كانت الأمواج تضرب الصخور ثم تعود، كأنها تحاول الوصول إلى مكان لا تصل إليه.

قال بهدوء: 

- أنا مش زعلان منك يا سلوى. 

- بس أنت أصلا ماكنتش عايز الجواز. لم يجد إجابة. 

لم تكن سلوى تريد منه اعترافا قاسيا، لكنها كانت تريد أن تعرف إن كان يقف معها لأنه يحبها، أم لأنه اعتاد وجودها. 


 واصلوا العلاج، وتنقلوا من طبيب إلى آخر. وكان كل شهر يمر دون خبر جديد يضيف طبقة من الضغط فوق صدريهما.

 أما فارس، فظل يتعامل مع الأمر ببرود ظاهري. لم يكن قاسيا، لكنه لم يكن عاشقا. زواجه لم يبدأ بحكاية قلب، ولذلك لم يشعر أن حلم الإنجاب هو حلمه هو بالدرجة نفسها. 


ومع ذلك، كان يرى التعب في وجه سلوى، فكان يظل إلى جوارها، حتى لو لم يعرف ماذا يقول. 


في الوقت نفسه، بدأ فارس يعمل على نفسه بجدية أكبر. 

 ترك السهر الطويل الذي لا ضرورة له، ونظم وقته، وبدأ يدرس البرمجة بصورة أكثر احترافا. حصل على دورات إضافية، وبدأ ينفذ مشروعات صغيرة من المنزل، ثم عرضها على زملائه في العمل. 

شعر لأول مرة أن حلمه القديم يمكن أن يقترب، حتى لو بخطوات بطيئة. 

 لكن الطريق لم يكن رحيما. 

في أحد المشروعات، كلفه مديره بتطوير نظام حاسوبي لمتابعة الحراسة. بذل فارس أسابيع في العمل عليه، ورفض النوم قبل أن ينهي التفاصيل. وعندما اقترب موعد التسليم، حدث عطل مفاجئ أدى إلى فقدان جزء من البيانات. 


لم يكن الخطأ كله بسببه، لكن المسؤولية وقعت عليه. 


 استدعاه المدير أمام زملائه وقال بحدة:

 - أنت فاكر إن الاجتهاد لوحده كفاية؟ الشغل محتاج تركيز ومسؤولية. 

حاول فارس أن يشرح، لكن المدير لم يستمع.


 بعد أيام، خسر فارس موقعه في المشروع، وخسر معه فرصة كان ينتظرها منذ مدة. ثم صدر قرار بتقليل ساعات عمله، فتأثر دخله، واضطر إلى العودة لساعات الحراسة الإضافية. 


عاد إلى البيت مرهقا، فوجد أمه قد اتصلت به مرات كثيرة. لم يخبرها بما حدث في البداية، لكنه حين سمع صوتها شعر أنه لم يعد قادرًا على التظاهر. 

- مالك يا ابني؟ صوتك مش عاجبني. 

- اتعطلت شوية في الشغل. 

- يعني إيه اتعطلت؟ 

- خسرت المشروع. 

سكتت أمه، ثم قالت: 

- أنت خسرت مشروع، ما خسرتش نفسك. 


 ظل فارس صامتا.

- اسمعني يا فارس، اللي يقع يقوم. واللي يتقفل في وشه باب، يفضل يخبط لحد ما يفتح، أو يدور على باب تاني. بس إياك تفضل واقف قدام الباب المقفول وتنسى إن الدنيا واسعة. 


 كانت كلماتها بسيطة، لكنها دخلت إلى مكان عميق داخله. 

 في اليوم التالي، عاد فارس إلى جهازه. راجع أخطاء المشروع، وكتب ملاحظاته، وبدأ من جديد. لم يكن يملك المال الكافي، ولا الوقت الكافي، ولا حتى الدعم الكافي، لكنه كان يملك شيئا واحدا لم يستطع الفشل أن يأخذه منه: العناد. 


بعد أشهر، أنشأ برنامجًا صغيرا لإدارة الورديات، وعرضه على شركة حراسة أخرى. أعجبهم عمله، وطلبوا منه تطويره. لم يصبح غنيا، ولم يتحول بين ليلة وضحاها إلى رجل أعمال، لكنه وقف مرة أخرى. 

 وكان يكفيه في تلك المرحلة أنه لم يسمح للخسارة أن تعرف اسمه. مرت السنوات. 


 تغير فارس كثيرا. لم يعد ذلك الشاب الذي يوافق على كل شيء خوفا من جرح أمه. صار أكثر هدوءا، وأقل كلاما، وأشد قدرة على إخفاء ما يشعر به. 


 أما صفحة حورية، فكانت لا تزال تظهر أمامه من وقت إلى آخر. 

 لم يعد يعرف كيف بدأ الأمر، لكنه ظل يتابعها بصمت. لم تكن منشورات طفلة صغيرة كما كانت في البداية. لقد كبرت حورية، وكبرت معها كتابتها، وصارت كلماتها تحمل شيئا مختلفا. 


وفي السابعة عشرة من عمرها، أصبحت حورية فتاة لافتة للنظر. كانت ذات شعر بني طويل، وعينين جميلتين تحملان نظرة ساحرة، وملامح هادئة تخفي أكثر مما تظهر. كان قوامها متناسقا، وحضورها يلفت شباب القرية كلما خرجت من بيتها، حتى لو لم تكن تبحث عن ذلك. 


 لكن الجمال في بعض الأماكن لا يمنح صاحبه الراحة. 

 كان يجعل العيون تلاحقه. والكلام يسبقه. 

 والناس ينسجون حوله حكايات لم تحدث. 

 كانت حورية تحب أخواتها، وترتبط بإخوتها الأربعة، خصوصا أخويها الأكبرين. كانا بالنسبة إليها سندا وحماية، وكانت تشعر بالأمان حين تسمع أصواتهما في البيت. 


 لم تكن تعرف أن هذا الأمان نفسه سيصبح بعد فترة مصدر خوفها الأكبر.


 في أحد الأيام، خرجت حورية من البيت تحمل بعض الأغراض، فسمعت ضحكات مجموعة من شباب البلد. لم تلتفت إليهم، وحاولت أن تواصل طريقها، لكن أحدهم قال كلمة تجاوزت حدود المزاح. 


توقفت حورية لحظة، ثم أسرعت. 

وصل الكلام إلى إخوتها، ولم يمر الأمر بسلام. 

 في المساء، كان أخوها الأكبر يقف أمام منزل أحد أقاربهم، حين ظهر الشاب نفسه ومعه اثنان من أصدقائه. بدأت المشادة بكلمات غاضبة، ثم ارتفعت الأصوات. 

- أنت اتكلمت عن أختي بطريقة ما تليقش. 

- وأنا حر أقول اللي أنا عايزه.

 - الحرة تبدأ عند حدود بيوت الناس. 


تدخل بعض الموجودين لتهدئة الموقف، لكن الغضب كان قد سبق الجميع. 

دفع الشاب أخاها، فرد الأخ بدفعة أقوى، ثم تحولت الكلمات إلى اشتباك سريع. 


 صرخت حورية من بعيد: 

- كفاية! ابعدوا عن بعض! 

 لكن صوتها ضاع وسط الفوضى. 


وفي لحظة خاطفة، التقط أخوها قطعة خشب كانت ملقاة بجوار الحائط، وضرب بها الشاب ضربة واحدة. 

سقط الشاب على الأرض. ساد الصمت. ثم ظهر الدم. 


كان الجرح في رأسه، والدم ينزل على وجهه وملابسه، بينما وقف أخو حورية مكانه لا يتحرك، وكأن يده لم تعد يده. 

صرخت أم حورية من داخل البيت، وهرع الناس إلى المكان. أحدهم طلب الإسعاف، وآخر أخذ يصرخ بأن الشرطة ستأتي، وثالث حاول إبعاد حورية عن المشهد. 


لكنها لم تستطع الحركة. 

- كانت تنظر إلى أخيها، ثم إلى الشاب الغارق في الدم، ثم إلى أيدي الناس المرتجفة حولها. 

 وفي تلك اللحظة، انكسر شيء داخلها. 

 لم يكن أحد يعرف هل سيعيش الشاب أم لا. 


ولم يكن أحد يعرف ما الذي سيحدث حين تصل الشرطة. 

- أما حورية، فكانت تعرف شيئًا واحدا فقط: 


 أن البيت الذي كان يملؤه الضحك قبل ساعات، لن يعود كما كان بعد هذه الليلة.

 - وفي مدينة بعيدة، كان فارس يفتح هاتفه في آخر الليل، فرأى منشورا جديدا على صفحة حورية، لكنه لم يكن منشورا مضحكا هذه المرة. 

- كان سطرا واحدا فقط: 


 "هناك لحظات لا تغير حياتنا، بل تنتزعها من بين أيدينا." 


 قرأ فارس الجملة، وشعر بانقباض في صدره. 


 لم يكن يعلم ما حدث. 

ولم يكن يعلم أن الفتاة التي هربت إلى الكتابة من واقعها، ستدخل الآن في واقع لا تستطيع الكلمات وحدها أن تنقذها منه. 

- يتبع في الجزء الثالث...

Post a Comment

أحدث أقدم