كرامة المرأة وسيادة القانون: عندما تصبح الثقافة ذريعة للظلم بين الدين الحقيقي والاستغلال باسم الدين
بقلم: دوقة نيفين الجمل
على مر التاريخ، كانت المرأة الركيزة الأساسية لبناء الأسرة والمجتمع والحضارة. فهي الأم التي تُربي الأجيال، والمعلمة التي تبني العقول، والشريكة التي تساهم في نهضة الأمم. ومع ذلك، ورغم ما وصلت إليه الإنسانية من تقدم علمي واقتصادي وتشريعي، لا تزال ملايين النساء والفتيات حول العالم يعانين من العنف والتمييز والاستغلال، ليس لأن القانون عاجز عن حمايتهن، بل لأن بعض المجتمعات ما زالت تُبرر هذه الانتهاكات باسم الثقافة أو العادات أو التقاليد، وأحياناً باسم الدين.
وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل المشكلة في الأديان، أم في البشر الذين يفسرونها ويستغلونها لتحقيق مصالحهم؟ وهل يجب احترام أي ثقافة إذا كانت تنتهك كرامة الإنسان؟
إن احترام التنوع الثقافي والديني قيمة إنسانية عظيمة، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى مبرر للصمت أمام الظلم أو إلى حصانة تمنع نقد الممارسات التي تهدر حقوق الإنسان. فكرامة الإنسان، وخصوصاً المرأة والطفل، يجب أن تبقى فوق كل اعتبار.
عندما تصبح الثقافة أقوى من القانون
الدول الحديثة لا تقوم على القبيلة أو العرق أو الانتماء الديني، بل تقوم على سيادة القانون، والمساواة بين جميع المواطنين، وحماية الحقوق والحريات.
لكن المشكلة تبدأ عندما يحاول البعض أن يجعل ثقافته أو عاداته فوق القانون، فيصبح الظلم مقبولاً لأنه “عادة”، والعنف مبرراً لأنه “تقليد”، والتمييز مشروعاً لأنه “موروث”.
فعندما تُجبر فتاة على الزواج وهي لا تزال طفلة، أو تُقتل امرأة بحجة “الشرف”، أو تُحرم من التعليم والعمل واتخاذ قراراتها، أو تُعامل وكأنها ملكية خاصة للرجل، فإن القضية لم تعد قضية ثقافة، بل أصبحت انتهاكاً صريحاً لحقوق الإنسان.
ولا يمكن لأي مجتمع يحترم نفسه أن يقبل بذلك.
عندما يُختطف الد
المشكلة التي نعيشها اليوم ليست في الإسلام كدين، بل في الأشخاص والجماعات التي اختطفت اسمه، وحولته إلى وسيلة لتحقيق أهداف سياسية أو مالية أو نفسية.
فهناك من يستخدم الدين للوصول إلى السلطة، وهناك من يستخدمه للسيطرة على المرأة، وهناك من يستغله لجمع الأموال، وهناك من يوظفه لتبرير العنف والتطرف والكراهية.
وهؤلاء لا يسيئون إلى ضحاياهم فقط، بل يسيئون إلى الإسلام نفسه.
إن أخطر ما فعلوه أنهم جعلوا العالم يربط بين الإسلام وبين تصرفاتهم، حتى أصبح ملايين المسلمين المعتدلين يدفعون ثمن جرائم لم يرتكبوها.
المسلمون أيضاً ضحايا
اليوم يعيش كثير من المسلمين في مختلف أنحاء العالم تحت ضغوط نفسية واجتماعية متزايدة.
فكلما وقعت جريمة إرهابية، أو ظهرت جماعة متطرفة تتحدث باسم الإسلام، وجد ملايين المسلمين أنفسهم مضطرين للدفاع عن دينهم، رغم أنهم أول من يرفض تلك الجرائم.
إنها معادلة غير عادلة.
فلا يجوز أن يُحاسب أكثر من ٢ مليار مسلم بسبب تصرفات جماعات متطرفة أو أنظمة سياسية أو أعراف اجتماعية منحرفة.
وكما لا يجوز الحكم على أي شعب بسبب أفعال أقلية منه، لا يجوز أيضاً الحكم على دين كامل بسبب من أساؤوا استخدامه.
لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي أن يمنعنا ذلك من الاعتراف بأن هناك ممارسات خاطئة داخل بعض المجتمعات الإسلامية تحتاج إلى إصلاح ومواجهة، لأنها لا تسيء إلى النساء فقط، بل تشوه صورة الإسلام أمام العالم.
الفرق بين الإسلام والثقافة
لقد اختلطت في بعض المجتمعات العادات القبلية والموروثات الاجتماعية بالدين، حتى أصبح الناس يعتقدون أن كل ما ورثوه هو جزء من الإسلام.
والحقيقة أن كثيراً من الممارسات المنتشرة لا أصل لها في تعاليم الإسلام، وإنما هي عادات اجتماعية اكتسبت غطاءً دينياً مع مرور الزمن.
ولهذا يجب أن نفرق دائماً بين النصوص الدينية وبين تفسيرات البشر، وبين الإسلام وبين الثقافات التي تنسب نفسها إليه.
فالنقد الصادق للممارسات الخاطئة ليس هجوماً على الدين، بل دفاع عنه.
تجربتي الشخصية
لا أكتب هذا المقال من منطلق نظري، بل من تجربة شخصية عشت تفاصيلها بكل ما فيها من ألم.
لقد مررت بتجربة زواج تركت آثاراً عميقة في حياتي، ورأيت كيف يمكن أن تُستخدم مفاهيم دينية بصورة خاطئة لتبرير السيطرة والإساءة والحرمان من الحقوق.
لكن تلك التجربة لم تجعلني أتهم الإسلام، بل جعلتني أزداد يقيناً بأن المشكلة ليست في الدين، وإنما فيمن يستخدمه لتحقيق مصالحه أو لتبرير ظلمه.
فالظلم ليس له دين، والرحمة ليست حكراً على دين، والعدالة لا ترتبط بجنسية أو ثقافة معينة.
لقد رأيت مسلمين يدافعون عن المرأة بكل شرف، كما رأيت غير مسلمين يمارسون العنف ضد النساء.
ولهذا فإن معيار الحكم يجب أن يكون السلوك، لا الهوية.
نتائج الاعتقادات الخاطئة
إن أخطر ما تسببت فيه التفسيرات المنحرفة للدين أنها صنعت صورة ذهنية مشوهة عن الإسلام في أنحاء كثيرة من العالم.
فأصبحت المرأة المسلمة تُسأل عن جرائم لم ترتكبها، وأصبح الرجل المسلم يُنظر إليه أحياناً بريبة بسبب أفعال لا علاقة له بها، وأصبحت مجتمعات كاملة تعاني من تصاعد الكراهية والتمييز نتيجة تصرفات أقلية متطرفة.
وفي المقابل، استغلت جماعات متشددة هذا الانقسام لتغذية خطاب الكراهية، فازداد الاستقطاب بين الشعوب، وتعززت مشاعر الخوف وعدم الثقة، وهو ما يهدد الاستقرار والسلم الاجتماعي، ويزيد من حدة الأزمات والصراعات الدولية.
الهجرة والاندماج
كل من يختار أن يعيش في دولة جديدة لا يحمل معه حقائبه فقط، بل يحمل أيضاً أفكاره وقيمه.
والاندماج الحقيقي لا يعني التخلي عن الهوية أو العقيدة، وإنما يعني احترام القانون، والمساواة بين الرجل والمرأة، ورفض العنف والكراهية، والالتزام بحقوق الإنسان.
ولا يجوز لأي شخص أن يستخدم ثقافته أو معتقداته لتبرير انتهاك القانون.
حماية المجتمع تبدأ بحماية المرأة
هناك جرائم لا يجوز أن يتسامح معها أي مجتمع متحضر، ومنها:
العنف الأسري.
الزواج القسري.
زواج الأطفال.
جرائم الشرف.
ختان الإناث.
الاغتصاب.
الاتجار بالبشر.
الابتزاز والسيطرة النفسية.
جميع أشكال العبودية الحديثة.
هذه ليست قضايا ثقافية ولا دينية، بل جرائم يجب أن تواجه بحزم، وأن تطبق عليها القوانين دون استثناء أو تمييز.
نحو مستقبل أكثر سلاماً
إن العالم اليوم يعيش مرحلة مليئة بالتوترات والانقسامات. وتساهم خطابات الكراهية، والتطرف، واستغلال الدين أو القومية لتحقيق مكاسب سياسية، في تعميق هذه الأزمات وإضعاف فرص السلام والتعاون بين الشعوب.
ولهذا فإن مسؤولية المفكرين، ورجال الدين، وصناع القرار، ووسائل الإعلام، هي أن يميزوا بين الدين الحقيقي وبين من يتاجرون باسمه، وأن يواجهوا التطرف بالفكر، والعدالة، والتعليم، وسيادة القانون.
إن قوة الأمم لا تُقاس بحجم اقتصادها، ولا بعدد ناطحات السحاب، ولا بقوة جيوشها، بل بقدرتها على حماية أضعف أفرادها.
فإذا كانت المرأة تعيش في خوف، فلا يمكن للمجتمع أن يدّعي أنه عادل.
وإذا كان الطفل لا يشعر بالأمان، وتُسلب حقوقه، وتُنتهك براءته، فلا يحق لأي دولة أن تدّعي أنها دولة متحضرة أو عادلة.
إن الدفاع عن المرأة ليس قضية تخص النساء وحدهن، بل هو قضية حضارية وإنسانية تمس مستقبل المجتمعات كلها.
ولهذا يجب أن يكون ولاؤنا الأول للحق، وللقانون، وللكرامة الإنسانية، لا لأي ثقافة أو عادة أو تفسير يبرر الظلم
فكل من يستغل اسم الدين لتبرير العنف أو التمييز أو الكراهية لا يسيء إلى ضحاياه فحسب، بل يسيء إلى الدين نفسه، ويحمّل ملايين الأبرياء حول العالم وزر أفعال لم يرتكبوها. وحماية الإسلام لا تكون بالصمت عن الأخطاء، بل بالتصدي لها، لأن الدين الذي يقوم على العدل والرحمة لا يمكن أن يكون غطاءً للظلم.

إرسال تعليق