قلم السلام حمدي قنديل
غرف العمليات الصامتة كيف تهدم البيوت وتقطع الأرحام تحت ستار النجوى
في عالم متسارع لم تعد الحروب الكبرى تدار في ميادين القتال فحسب بل إن أشرس المعارك النفسية والاجتماعية باتت تدار داخل جدران الغرف المغلقة في زوايا المكاتب خلف شاشات الهواتف وعلى طاولات المقاهي إنها النجوى بمفهومها المعاصر تلك الأحاديث السرية والهمسات الجانبية التي تبدو في ظاهرها تفريغا للشحنات أو تفاعلا يوميا عاديا لكنها في كثير من الأحيان تتحول إلى معاول هدم تضرب السلم المجتمعي وتفتت الروابط الأسرية
من الناحية السوسيولوجية والنفسية تحلت هذه التكتلات الصغيرة والدردشات الجانبية في البيوت وأماكن العمل إلى بيئة خصبة لنشر الشائعات والتحريش بين الأقارب والزملاء مما يسهم في صناعة جفاء مجتمعي يعطل طاقات الأفراد ويدمر العائلات
التشخيص القرآني قاعدة الأصل في النجوى عدم الخير
وضع القرآن الكريم دليلا استباقيا لضبط حركة اللسان والسرائر فقرر في قاعدة ذهبية حاسمة في سورة النساء لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما
الآية الكريمة واضحة بصيغة القصر الحاسم فالأصل في مجالس التناجي والسرية بين البشر أنه لا خير فيها إلا إذا رفعت عنها الصبغة الأنانية أو الهدمية ووجهت نحو ثلاثة مسارات حصرية الدعم المالي المحفوظ الكرامة صدقة والتواصي بالقيم والتطوير معروف ورأب الصدع وتقريب وجهات النظر إصلاح
وما تجاوز هذه الثلاثة فهو يندرج تحت دائرة الوعيد والترهيب كما بينت سورة المجادلة خطورة الغاية من وراء التناجي السلبي إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله
التظاهر الخادع شياطين الإنس وأهل الحقد الدفين
إن أخطر ما يواجه الترابط الأسري وصيانة صلة الدم ليس العدو الظاهر بل هو ذلك المتسلل من الأقارب أو المحيطين الذي يرتدي قناع الناصح الحريص وهو ينفث سموم الحقد الدفين هؤلاء هم شياطين الإنس الذين يفسدون في الأرض بكلمات مبطنة تحت شعارات الحب والقرابة فيجلس أحدهم في مجالس النجوى ليقول أنا أقول لك هذا لصالحك أو فلان لا يستحق طيبتك والهدف الحقيقي هو تقطيع أواصر الدم وتصفية حسابات نفسية ضيقة
وقد حذر القرآن من خطورة هذا الصنف الذي يتكلم بلسان حلو ويبطن خرابا فقال تعالى في سورة البقرة ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد
الترهيب من قطيعة الرحم اللعنة وطمس البصيرة
حين تتحول بيوت الأقارب إلى منصات للتآمر والجفاء والقطيعة يرتفع سقف الترهيب الإلهي إلى درجة تقشعر لها الأبدان فالقرآن يربط مباشرة بين الإفساد في الأرض وقطاع الرحم كجريمة مركبة يقول الله تعالى في سورة محمد فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم
عقوبة هؤلاء في الدنيا قبل الآخرة هي طمس البصيرة فيصبح صاحب النجوى السيئة ومقطع الرحم أعمى عن رؤية الحق أصما عن سماع النصيحة يرى هدم الأسرة بطولة والقطيعة كبرياء وهو في الحقيقة يتخبط في لعنة الطرد من رحمة الله
وفي السنة النبوية المطهرة جاء التحذير قاطعا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة قاطع أي قاطع رحم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرحم شجنة من الرحمن فقال الله من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته
الترغيب والبديل بناء الفرد والأسرة كأمر مباشر
في المقابل فإن حماية الأسرة وصيانة صلة الأرحام وتطهير المجالس هي نقطة الانطلاق لبناء المؤمن الحق والأسرة المتماسكة والمجتمع القوي القرآن الكريم لا يكتفي بالتحذير بل يمنح البديل العملي المليء بالترغيب والبركة
حين تتحول لقاءاتنا في البيوت والكافيهات ووسائل المواصلات إلى مسار الإصلاح بين الناس وتتحول نجوانا السرية إلى تخطيط لكفالة يتيم أو مساعدة قريب متعثر أو تطييب خاطر مختلفين تتدفق البركات المادية والمعنوية
لقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم في صلة الرحم وجعلها مفتاحا لرفاهية الحياة والسعة في الرزق فقال من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه البناء الأسري هو حائط الصد الأول ضد التفكك المجتمعي
كيف نحمي مجالسنا
إن الالتزام بالمعايير الأخلاقية والمهنية في الحياة اليومية يتطلب منا وضع فلاتر حماية لبيوتنا وعقولنا
أولا رفض سماع الوشاية إغلاق الأذن أمام كل قريب أو بعيد يحاول نقض غزل المحبة بين الأقارب
ثانيا الشفافية وحسن الظن مواجهة التناجي الخفي بالوضوح وتطبيق التوجيه القرآني اجتنبوا كثيرا من الظن
ثالثا تحويل المجالس لقرارات إيجابية تغيير مسار أي حوار يتناول سيرة الغائبين إلى دعاء لهم أو حديث في مشروع نافع
إن تطهير النجوى هو عبادة وقربى والوعي بمخططات أهل الحقد والدسائس هو ذكاء إيماني واجتماعي وبذلك نضمن نيل تلك الجائزة العظمى التي وعد بها مالك الملك في ختام آية النساء فسوف نؤتيه أجرا عظيما
قلم السلام حمدي قنديل

إرسال تعليق